icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
لبنان واستراتيجيات البقاء المضللة
لبنان واستراتيجيات البقاء المضللة
Pulling Lebanon Back from the Precipice
Pulling Lebanon Back from the Precipice
A Lebanese flag, placed by anti-government protesters, is seen on barbed wire securing the area in front of the government palace in downtown Beirut, October 2012. REUTERS/Jamal Saidi

لبنان واستراتيجيات البقاء المضللة

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

يحافظ لبنان على وجوده رغم كل العوامل التي تهدّده في بيئة مضطربة، وذلك بفضل جهازه المناعي الاستثنائي. غير أن هذه القدرة على البقاء تحوّلت إلى ذريعة لعطالة وتراخي طبقته السياسية، وهو ما يمكن أن يؤدي في النهاية إلى انهيار البلد. جارته سورية، والمرتبطة به كما يرتبط توأمان سياميان، غارقة في الدماء، وتدفع إليه موجات مستمرة من اللاجئين عبر الحدود. حزب الله، الحزب السياسي الشيعي اللبناني والحركة المسلّحة، انجرّ إلى صراع طائفي إقليمي شرس ومكلف ويائس. داخلياً، أخفقت الأطراف اللبنانية المختلفة التي تخشى انهيار التوازن السياسي الهش في انتخاب رئيس للبلاد أو تمكين رئيس الوزراء من الحكم، وفضّلت الشلل على أي خيار تعتقد أن من شأنه إحداث تغيير عميق في الوضع الراهن. يفرز الصراع في سورية جميع أنواع المشاكل، القديمة منها والجديدة والتي، على المدى البعيد، ستحمل جميع الاحتمالات لزعزعة الاستقرار. رغم أن هذا الوضع يتطلب التصدّي له على نحو عاجل، فإن من غير الواقعي توقُّع اتخاذ تدابير جريئة. غير أنه يمكن للسياسيين بل ويجب عليهم أن يتّخذوا خطوات ملموسة من شأنها مجتمعة أن تخفّف من حدة التوترات بانتظار السنوات التي قد تستغرقها تسوية الصراع في سورية.

يستمر لبنان في "أداء وظائفه" في احتواء أزمة تتوالى فصولها ببطء، و إجراءات أمنية ينتج عنها استقطاب متزايد وترتيبات غير رسمية بين الخصوم السياسيين يتوقَّع منها التعويض عن غياب رئيس الجمهورية، وسلطة تنفيذية فعالة، وجهاز قضائي مستقل، ورؤية اقتصادية، وسياسة لمعالجة شؤون اللاجئين. في حين يستمر لبنان في الصمود أمام التهديدات والضغوط الخارجية، فإنه منغمس في هذا التحدّي المرهق إلى درجة يسمح فيها لنفسه بالتردّي والانحلال على نحو بطيء لكن أكيد.

ثمة عدد من العوامل التي تعمل لصالح لبنان؛ فقد توقف عن كونه حلبة رئيسية تجري عليها محاولات تغيير موازين القوى الإقليمية؛ حيث حلّ محلّه كل من سورية، والعراق، واليمن وليبيا (إضافة إلى فلسطين) في لعب ذلك الدور التعس. القوة العسكرية والتنظيمية الكبيرة التي يتمتع بها حزب الله منعت أي محاولة لتحدّيه. ولا تزال الذكريات المريرة للحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990 تشكّل تحصيناً للدولة والمجتمع ضد الانخراط مرة أخرى في صراع داخلي جدّي.

إلاّ أن الديناميكيات التي يشهدها لبنان اليوم تشبه على نحو غريب تلك التي سبقت الحرب الأهلية؛ فقد عادت ثقافة الميليشيات، التي سادت في الماضي، والتي تبددت ظاهرياً مع استيعاب المجموعات المسلّحة جزئياً في أجهزة الدولة، عادت إلى الظهور. والفوارق الاجتماعية والاقتصادية القديمة باتت أكثر عمقاً. وتدفُّق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين يعيد إلى الأذهان الموجة السابقة من اللاجئين الفلسطينيين، الذين أدى رفضهم من قبل شرائح واسعة من المجتمع اللبناني، وما تلا ذلك من تسييس لقضيتهم، إلى تحوّل ما كان في البداية مبعث قلق إلى تهديد رئيسي للأمن. وقد انخرط حزب الله في دور إقليمي أدى إلى تعميق الانقسام الطائفي، وأضاف هذا الدور إلى مبرر وجوده كحركة مقاومة ضد إسرائيل، والذي تمتع على أساسه بدعم واسع. ويشهد الجيش اللبناني، المؤسسة العابرة للطوائف والتي تعتبر العمود الفقري لما تبقّى من الدولة، حالة استقطاب متزايد.

وثمة مصدر آخر للقلق يتمثل في الإرباك غير المسبوق الذي تشهده الطائفة السنيّة، إحدى الطوائف الثلاث الأساسية في البلاد، إلى جانب الشيعة والمسيحيين. يعكس خطاب قيادتها المفترَضة والمتمثلة في تيار المستقبل، الإحباطات المتنامية لقواعدها، بينما تخفق في مخاطبة هذه القواعد بشكل فعّال. نظراً لتراجع اهتمامها وانخراطها في مخاوف ومشاكل هذه القواعد، فإنها أفسحت المجال لتيارات متنافسة، بعضها متطرّف أو حتى عنيف، لتمثيل هذه الطائفة التائهة، والمنقسمة والغاضبة، والمصابة بالذهول من قوة عزيمة حزب الله، وتطور الموقف الأمريكي حيال إيران والعنف المستمر ضد السنّة على أيدي النظامين في سورية والعراق. بالمقابل، فإن تحوّل الطائفة التدريجي نحو مواقف أكثر راديكالية، الأمر الذي يثير مخاوف وجودية من الأصولية السنية لدى الجماعات الأخرى، يسهم بتنامي الدعم الذي يحظى به حزب الله وانخراطه في سورية، بصرف النظر عن كلفة ذلك الصراع المتصاعد. كما أن إحجام الجيش عن التصدّي للنشاط الشيعي العسكري، في الوقت الذي يقوم فيه بقمع مثيله السني، كونه يشكّل خطراً أكثر إلحاحاً، يسهم في تعميق الانقسام.

الطبقة السياسية، التي نمت وتغذّت على الصراعات لعدة عقود، عازمة على الاكتفاء باحتواء الأزمة، وتفضّل تحاشي حدوث مواجهة دموية تعرف تماماً أنه لا يمكن الانتصار فيها وأنها ستكون مكلفة للجميع، تفضّل ذلك الاحتواء على معالجة الأسباب الكامنة للأزمة. في حين أن الاتفاقيات المحلية غير الرسمية التي عقدتها تشكل بدائل مؤقتة فعالة، فإنها تساعد في المحافظة على الوضع الراهن وحسب، بينما تسهم في الوقت ذاته بتآكله تدريجياً. التوترات الاجتماعية والطائفية تتصاعد مع التراجع الكبير في جودة الخدمات العامة المقدمة للبنانيين العاديين، وتضاؤل فرص العمل وتحقيق الذات أمام أغلبية السكان واقتصار ذلك على قلّة تتضاءل باستمرار. وبدلاً من حثّ السياسيين على تمثيل مصالحه من خلال مؤسسات الدولة، فإن الشعب اللبناني، القلق والمنهك، خفّض سقف توقّعاته، ولجأ إلى الالتفاف على مؤسسات الدولة واتّباع استراتيجيات المحافظة على البقاء. تؤدي هذه الاستراتيجيات إلى تنشيط شبكات الزبائنية والمحسوبية والفساد وقواعد لعبة تضمن بقاء ورسوخ الطبقة السياسية وبشكل يبقيها بعيدة عن المساءلة ويؤدي إلى تلاشي ما تبقى من الدولة.

من المرجح أن سوء الإدارة، مصحوباً بالسياسات غير الديمقراطية وغير الدستورية، سيفاقم المشاكل إلى درجة يصبح فيها التغيير الجذري الوسيلة الوحيدة لمعالجة هذه المشاكل. من مصلحة الطبقة السياسية الانتهازية تأجيل تلك اللحظة؛ لكن المفارقة هي أن هذا يمكن أن يشكل أيضاً دافعاً يمكن تحويله لمصلحة البلاد، إذا سمح الوقت والظروف الإقليمية بذلك. في حين أن الاستمرار في التأجيل والمماطلة في إصلاح النظام السياسي يشكّل استراتيجية ذات أفق مسدود، فإن أي بديل شامل قد يكون أخطر في البيئة المتفجرة السائدة اليوم.

تشمل الخطوات الصغيرة لكن البناءة التي يمكن اتخاذها: إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي طال إجراؤها كثيراً، دون انتظار تدخل خارجي لتحديد نتائجها، كما كان الحال تاريخياً أو كذريعة تستخدم للتأجيل؛ وتبنّي سياسة حيال اللاجئين السوريين تقلّص التهديدات الأمنية وتضمن احترام كرامتهم وحقوقهم؛ وتطبيق محاكمات قضائية عادلة إزاء السجناء الإسلاميين وغيرهم؛ وإخضاع عناصر الأمن للمساءلة عن الانتهاكات التي تتم ممارستها ضد السجناء، واللاجئين والمجموعات الضعيفة الأخرى. أضف إلى ذلك أن لبنان بلد لا يزال يوفر بيئة متسامحة حيال النشاط الشعبي؛ وبالتالي فإن المنظمات غير الربحية الناشطة في مجال الصالح العام  والإصلاح السياسي ينبغي أن تفعّل دورها لتعزيز الحوكمة والقيم الديمقراطية، بما في ذلك محاربة الفساد وتعزيز سيادة القانون.

إذا أخفقت الطبقة السياسية والآخرون الذين يمكنهم التأثير في مسار لبنان في اتخاذ مثل تلك الخطوات الأساسية والبديهية، فإن البلاد لن تنجح إلاّ في تجاوز الحالات الطارئة التي تواجهها في الوقت الحاضر على حساب رهنها لمستقبلها.

بيروت/بروكسل، 20 تموز/يوليو 2015

Demonstration asking to bring down the ruling political elite on Martyrs' Square, Beirut, 20 October 2019. CRISISGROUP/Heiko Wimmen

Pulling Lebanon Back from the Precipice

After months of mass protests, a new Lebanese government may take office soon. Yet it must make reforms that strike at the very vested interests that appointed it. Outsiders should give the cabinet a chance to succeed but plan for emergency aid if it fails.

A new government appears to be within reach in Lebanon, but the country’s crisis is far from over. On 21 January, news broke that the parties supporting university professor Hassan Diab’s nomination to be the next prime minister had agreed on a new cabinet line-up. The breakthrough comes at a critical moment. After three months of mostly peaceful popular protest against recurrent governance failures, followed by a brief holiday hiatus, new demonstrations broke out, which on 18 and 19 January escalated into a full-blown riot in downtown Beirut that left several hundred injured.

The shift to violence has been long in the making, the result of some protesters’ growing frustration with the apparent ineffectiveness of peaceful tactics. During the twelve weeks that elapsed between Prime Minister Saad Hariri’s 29 October resignation and the new cabinet's designation, political forces engaged in drawn-out negotiations to form a new government rather than respond to popular demands for radical change, seemingly preoccupied with horse trading and indifferent to citizens’ dramatically deteriorating living standards.

Protesters have now turned their wrath at the political elite against the banks.

The economic implosion was even longer in the making, the outcome of an artificially propped-up system that funded chronic deficits in the state budget and the balance of trade by piling up debt and attracting capital investment with unsustainably high interest rates. Import-dependent, Lebanon has run out of foreign currency to pay for what it consumes, while the state struggles to cover salaries and service a ballooning public debt. In the “parallel market” operated by licenced money changers, which determines the operative exchange rates for many purposes, the Lebanese lira has dropped by nearly 40 per cent against the dollar since August 2019, eating into state employee incomes in particular. Private-sector employees, often paid in dollars, also feel the pinch. Many have had their salaries cut by up to 50 per cent since November or been laid off. Worst of all, Lebanese who put their savings in ostensibly safe dollar accounts now have to queue for maximum weekly withdrawals of $300 and beg bank managers for permission to make urgent foreign transfers, as banks are low on liquidity and have imposed tight capital controls.

As a result, protesters have now turned their wrath at the political elite against the banks, whose treatment of customers has become a symbol of everyday indignity. Since the new year, branches and ATMs of local banks have become targets of firebombing and other forms of vandalism. Protests against the Central Bank, whose unsustainable fiscal policies contributed heavily to the crisis while enabling lavish profits for commercial banks, led to altercations with security forces on 14 January that set the stage for the subsequent riots.

If they consider themselves under direct attack, the security forces are liable to hit back with fewer and fewer inhibitions.

Things could deteriorate further. Initially, the Internal Security Forces and the Lebanese Army gave the protest movement significant leeway, at times going so far as to protect protesters from attack by thugs widely suspected of supporting the two leading Shiite parties Amal and Hizbollah. Relations between the movement and authorities began to sour in late November, when protesters accused police of looking the other way during a new round of such attacks, and further in mid-December when the Internal Security Forces repelled demonstrators attempting to reach the highly symbolic, cordoned-off parliament square downtown with tear gas and rubber bullets, causing dozens of injuries.

In the most recent violent incidents, some protesters reportedly attacked security forces unprovoked and some security forces allegedly responded disproportionately, a dangerous dynamic. The mood on all sides is tense. For over three months, soldiers and policemen have served under challenging circumstances. Like others, they have seen the value of their already modest salaries depreciate and their savings frozen. If they consider themselves under direct attack, the security forces, who have a strong esprit de corps, are liable to hit back with fewer and fewer inhibitions.

Appointing a new government is a step, but hardly a solution.

Appointing a new government is a step, but hardly a solution. Absent a substantial cash injection, the government eventually could well be unable to meet the public-sector payroll in full; alternatively, it might resort to printing Lebanese lira for that purpose, prompting hyperinflation. If and when the cash-strapped state’s capacity to pay salaries and provide services collapses, more street protests and rioting will become a virtual certainty. For angry, underpaid security forces to try to control crowds of angry, underpaid citizens, particularly after the earlier rounds of confrontation that fuelled mutual resentment, is a recipe for disaster.

Whether the new cabinet – which still needs parliament’s confidence vote – can break out of this downward spiral and turn the economy around quickly enough is, at best, uncertain. Pulling Lebanon out of the pit will require substantial external support – local economists estimate up to $20 billion – in the short run, and root-and-stem reform to eradicate corruption and put the economy on a sound footing in the medium term.

At its 11 December 2019 meeting, the International Support Group for Lebanon, which includes Lebanon’s most important external partners as well as international financial institutions, made clear that an “effective and credible government capable to meet the aspirations expressed by all the Lebanese” is a key condition for support. Whether the team now presented by Hassan Diab will cross this bar remains to be seen. To many of the protesters, the answer is no. While it is technically a government of “independents” and “technocrats”, many Lebanese suspect that it will be unable to perform its tasks independently of the political parties that endorsed it. The Diab government also lacks substantial support from Lebanon’s Sunni Muslims, and relies exclusively on the backing of parties belonging to one camp in the country’s divided political landscape, namely, Hizbollah and its allies.

Lebanon is at a crossroads, and there is reason to fear that it will take a wrong turn.

But the more fundamental problem is this: to combat corruption and institute required reforms, and thus to meet international donors’ demands, the new government would need to strike at the vested interests of the very parties that helped establish it. In the past, these parties have run the ministries and state institutions they control in the manner of quasi-feudal estates. Unless the parties fundamentally alter the way they conduct politics – a tall order indeed – it is hard to see how the Diab government can succeed.

For now, Lebanon’s external partners ought to give the new government the benefit of the doubt and a fair shot. Still, they would be reckless not to simultaneously prepare for the worst. Significant humanitarian aid will be required if the poverty rate surges from 30 per cent, where it now stands, to well over 50 per cent, where the World Bank estimates it will head should the economic crisis persist. Credit lines with international financial institutions like the European Investment Bank and the European Bank for Reconstruction and Development to secure at least the most essential imports, such as food and medicine, are another possible stopgap measure. Foreign partners might also consider providing security forces with additional training in non-violent crowd control.

Lebanon is at a crossroads, and there is reason to fear that it will take a wrong turn. Its foreign partners can help steer it in the right direction, but if the political elite refuses to change and put the national above their parochial interest, the Lebanese population will continue to suffer, many will seek to build their future elsewhere and the spectre of more widespread violence will linger.